قبل عقدين من الزمن ــ تقريباــ كان الحديث عن مسلسل
موريتاني ضرب من الخيال فى هذه الأرض التى تعرف أهلها على الصورة كوافد جديد منذ
الستينات .
في عقد التسعينات كانت شاشة التلفزيون الموريتاني
وجهة لعشاق الأعمال الدرامية الباحثين عن أي عمل يستحق المتابعة ويروي عطشهم الإبداعي،
كانت الخيارات المحدودة لجل الموريتانيين، وتتمثل أساسا في شاشة تلفزيونهم الوطني إذ أن إمكانية متابعة قنوات
عربية أخرى لم يكن متاحا لأغلب المواطنين ؛فالسماوات آنذاك لم تكن متاحة و أقمار
العالم الصناعية لم تكن تعمل حينها فى مدارنا على الأقل بالشكل المطلوب ، أضف الى
ذلك أن "النت" لم يكن هو الأخر مادة مشاعة لكل الموريتانيين ، ورغم ذلك
نجد من تابع مسلسلا تاريخيا بحجم "الفرسان " سنة إنتاجه بل ان أغلب
الموريتانيين ذرف دموع الفاجعة حين "قتل" (بيبرس) صديقه "قطز" ليفاجئ سمار الشاشات الصغيرة بفقيدهم
في "الفرسان " وهو يحاول جاهدا الخروج من أزمات خانقة يتعرض لها فى دور تمثيلي آخر فى مسلسل اجتماعي
رصين هو" المال والبنون". (1996سنة الانتاج عرضه التلفزيون الموريتاني
في ذات السنة)
بابا ميني مخرج موريتني
شخصيا لم أبك على مقتل "قطز" بحرقة رغم
إتقان الدور لأنني كنت على علم بفن يسمي الدراما ، ولأنني من عشاق الصورة تمنيت
وأنا الفتى اليافع حينها أن أشاهد أبطالا من حجم "أحمد عبد العزير" أو فصاحة
"أحمد ماهر" وتمنيت من كل قلبي ان
يهب لنا القدر نحن أهل هذه الأرض فنان ديكور واحد أو مخرج من طينة حسام الدين
مصطفى .. أو مجدي أبو عميرة ،وكاتب سيناريو يتيم من نوع أسامة أنور عكاشة !!!
إنتظرت عقدين من الزمن تغير فيها كل شيئ البشر
والحشر .. ثقافتنا الغذائية سيارتنا مهاراتنا في تذوق منتجات العالم!! تبدلت أدوات
العصر من حولنا و تفتحت السماوات أمام مد العولمة ونُسفت الحدود التقليدية كل هذا
ولم أحظى بمتابعة مسلسل موريتاني واحد!! .
حين أقول إني
لم أشاهد مسلسلا موريتانيا بالمعايير التى اتفق عليه صناع أهل الصنعة فإني لا اقصد التقليل من عمل الفنانين الوطنين
القابضين على جمر الإبداع فى بيئة لا تُقدر العمل الفني ، أكتب عن الموضوع بهذه الحسرة لأوجه فقط أنظار صناع ثقافة أهل هذه الديار الى
أهمية الصورة بشكل عام و الدراما على وجه الخصوص فى هذا الزمن الذي يخيفنا جميعا
لأننا نعيشه بذهنية الامس فى الوقت الذي أدواته صنعت فى عصرنا اليوم!!.
![]() |
| مشهد من مسلسل موريتاني |
لو كانت لدينا دراما حقيقية لتقلصت نسب الاغتصاب و ازدهرت
ثقافة المواطنة واحترام الأخر ، و اكتشفنا جوهر التنوع ومعنى المشترك الذي يجمعنا.
لو أنفقنا نصف قيمة ما يصرف على مهرجانات "
القديد " التى تتكاثر كالفطر فى مشهدنا الثقافي وتوجهنا بشكل "رسمي"
واع الى إنتاج دراما موريتانية تنطلق من الموروث الحقيقي لأمتنا لاكتشفنا أن
موريتانيا أكثر بهاء من ماهي عليه .
لو كرمنا
ممثلا واحدا من نجوم " ش الوح افشي
" أو نجوم المسرح الشعبي أومن نجوم
اليوم من أبطال سلسلة "وروطة فورطة " و "منت الناس" و
"وجوه من خشب " و" برنامج
"أيديرو الخمسة ال ما كلعوا العشرة " ممن أفنى عمره فى عروض المسرح بين
خشبتي دار الشباب القديمة والجديدة ليكتشف بعد فترة ان عصر شبابه قد انقرض وان
غرابه قد طار ... لو قمنا بأي خطوة في المسار الصحيح لتغير الكثير .
ومادمنا قد"عقدنا العزم على" أن نعيش
اللحظة ونُفنس لأعمارنا متسمرين أمام الشاشات التى تعرض كل ثقافات أهل الأرض ـ مع
احترامي لتلك الثقافات ــ فإننا سنكتشف لاحقا أننا كنا نزرع بذور فنائنا بأيدينا ،
و سيجيء يوم يسأل فيه صبي أمه ذات شتاء من هو ول عو ؟ وسيشمئز فتى إن نطق جده كلمة من قبيل " حبوس"!!


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق