في الغرفة التي تقع
مباشرة خلف الصالون في البيت الطيني قرب ملتقي طرق "الحاكم " ؛ يتمدد
رجل ثمانيني على فراش متآكل، لكنه مازال بإمكانه أن يصلح كفراش لمسن .
لا ينام الرجل ـ ولنسميه على سبيل التعارف " معط " ـ
كثيرا لأسباب فسيولوجية بحتة ، ومع أن
حاسة السمع لديه مازالت تعمل بشكل شبه طبيعي لمن هو في سنه ، إلا انه قرر بإرادته
المنفردة ،وهو في "كامل هبائه التكويني" أن يُسدل الستار بينه وبين
العالم من حوله.
ظهر أول تجسيد عملي
لقراره التاريخي حين تخلى عن طقسه الأسبوعي في الذهاب إلى دار المحاربين القدامى قرب
السوق الكبير ، حيث العشرات من أقرانه المسنين يكررون نفس القصص بحماس من يروى قصة
لأول مرة .
تكرر الغياب عن رفقاء
السلاح ؛ وسقط " معط " من ذاكرة
الشلة المثقوبة أصلا بفعل السنين .
وحين هم أولاد العجوز أن
يثنوه عن قراره الانسحابي من ميدان الحياة ، صدهم بدموع مكبوتة ،فما كان منهم إلا أن
تركوه يتخبط في حياته الهلامية الجديدة .
تضاءل حجم "معط " بشكل ملحوظ ، حتى أن أكثر
الروايات صدقية في ذلك الحين أكدت أنه شوهد في أحد الأيام وهو يغتسل في طست كبير
" زبيدية " ، وانه لم يحتج في عملية التنشيف إلا لخرقة قماش كانت إحدى بناته
قد جهزتها "كشرويطة أماعين".
تحول معط بعد أشهر قليلة
إلى بقايا محارب لا يرى بالعين المجردة ، ومع مرور الوقت أصبح أحفاده يستخدمون
جسده النحيل ككرة يد غير قابلة للنفخ،
والغريب أن "الجد الكرة" كانت تسمع ضحكته العسكرية في أزمنة أمجاده
الحربية بينما الصبية يتقاذفونه في ممرات البيت الذي بناه في عصور أخري .
وحين أعلن رسميا عن وفاة "معط"
في العاصمة ،أرسلت وزارة الدفاع وفدا رسميا لتقديم واجب العزاء ، وفى المساء
استقبل أبناء الرجل لاعبين من الفريق
الوطني لكرة اليد جاءوا مطأطئين وكلهم حزن على رحيل أهم لاعب في تاريخ اللعبة الأقل شعبية في
بلد يستعمل أهله أيديهم في كل المجالات بدءا بالتصفيق وصولا لعجين الخبز التقليدي.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق