الجمعة، 6 أبريل 2018

شعور


هل جربت شعور شراء دواء من احدى صيدليات نواكشوط ؟ هل فكرت مثلي بدلا من ذلك بالتوجه الى احدى محلات  الخردوات وشراء كيلوغرام "بلاتر" أبيض نقي واذابته  فى كأس ماء ؟ هل النتيجة المرجوة من الدواء الاول تختلف عن الثاني ، تختلف قليلا فى الحقيقة .
تأخر الحكومة فى فتح ملف الادوية المزورة غريب  وغير مفهوم ، وبما أنها فتحته الآن فنحن ممتنون لهذه الخطوة .
بعد الترحيب اللائق بالمزورين المحتملين فى مخافر الشرطة سيعرض عليهم رقيب شرطة صبور علب دواء من "فلاجيل لتسهيل" انسيابية التحقيق ، وحين يُصاب المزور الثاني فى قائمة التحقيق بصداع شاي بسيط سيجلب له الرقيب المداوم حبة دقيقية المذاق ووهمية القاعلية  وسيتناولها مرغما وسيشفى لإيهام المحقق أنه دواء أصلي .
يجب أن تتواصل الكتابة  عن توقيفهم لإبقاء القضية فى دائرة الضوء.



الثلاثاء، 27 مارس 2018

رذاذ الثلاثاء


حين تُغلق قناة تلفزيونية وطنية ؛ يزيد عدد الشباب العاطل عن العمل بالمئات ويرتفع منسوب الألم فى نفوسهم ، يرتفع موج البحر ، ويختفى الغاز ... حينها يعلن الحزب عن حملة إنتساب جديدة فى الوقت الذي ينتسبون هم الى حزب البطالة ،  هنا الانتساب  أنواع...
===
الحديث عن الاشراك فى الشأن العام  الذي تُمني به الحكومة الشباب شبيه بوعود الأباء لأبنائهم الصغار بالذهاب بهم الى البحر فى عطلة نهاية الاسبوع ،  فالوعود مرادف بيداغوجي للأبوة ، وهي غير مُلزمة أخلاقيا ولا قانونيا ولها مفعول طيب لكنه حتمي الزوال وكارثي النتائج..
===
ما تحصده حوادث السيارات من الأرواح سنويا فى موريتانيا يتخطى نسبة وفيات الأطفال حديثي الولادة عندنا ، ، بل إنه يتجاوز عدد موظفي وزارة التجهيز والنقل ، انه بإختصار ترجمة عملية لإهمالنا ورعونة سائقي شركات النقل وأباطرة 19ــ 24  عديمي الرحمة ، أسود القيادة الليلية الذين لايبالون بصغار الناقلين وأصحاب الباصات الصغيرة  المحتفين بالنوم الخفيف والباحثين عن مكافأة الوصول المبكر التي قد لاتأتي . 
===
من غير اللائق إنسانيا حرق القمامة قرب بيوت المواطنين ليلا، إنه تصرف همجي تتبعه بلديات نواكشوط ، هو تعذيب جماعي يُشرف عليه العمدة شخصيا ويباشره عمال البلدية بكل إخلاص ، والغريب فى الأمر هو مباركة وزارتي الصحة والبيئة لهذا العمل الرهيب .


الأربعاء، 21 مارس 2018

فى انتظار موت سعيد لأول بائع دواء مزور..


من قال إن الخلل بسيط ويمكن تفادي كوارثه ؛ إنه هنا يُلمح فى الاعين المريضة الباحثة عن حقنة دواء حقيقي، خلل تراكم على مر السنين فأنتج أكثر من 900 مسافر أسبوعي يأخذ كل الخطوط التى بإمكانها عن تُبعده عن هذا الموت الصامت؛هذا الموت الكريم الممتد كبقعة زيت من كرمسين وحتي فصالة .
الملاحف التى تتطاير بفعل هواء تونس البارد تلعن كل حبة دواء فاسد  أدخلها تاجر متسخ السروال كث اللحية الى صيدليات نواكشوط ، تلعنه الوحيدات المتشحات بلعنة الوطن الصابرات على مرضهن المزمن . تلعنه مشاويرهن المرهقة فى أرض غُرب ليست بلادهم ، ومن جلب البؤس لهم يجلب دواء أولاده من جزر الخالدات ويفكر فى دعم مرشح القبيلة .
لاتنقصنا الكوادر البشرية ولا الاجهزة الطبيبة ، مايُسرع فى فنائنا هوهذا الدواء اللعين الذي نتعاطاه صباح مساء بدون فائدة.
أمة بكاملها تشرب أتاي كل مساء على أوجاعها وتتحدث فى الدين والسياسة  والطقس، وطاعون الادوية الفاسدة ينخر فى أجسامها ، ومن فعل هذا بها يزورها كل نهاية أسبوع بوجهه الصبوح ويستغفر الله بعد  كل جملتين .
أمة بكاملها تعجز عن توقيف تاجر موت واحد ودفنه قرب كرفور صباح  لتطاردك اللعنات كل ماقرر موريتاني ان يحجز مقعدا للعلاج فى الخارج.

الأربعاء، 14 مارس 2018

الغاز و الموظف

أغلب موظفي الدولة الموريتانية يحلمون بهبوط حاد ومفاجئ في أسعار المواد الغذائية، ويتمنون بشكل صادق أن تُعمر أنابيب الغاز كما يُعمر شيوخ اليابان .
 ظلت أنبوبة الغاز اكبر تحد يواجه الطمأنينة المادية لأغلب الموظفين غير السامين، فهي في الغالب تختار أوقات الخواء الروحي على مزاجها.... منتصف الشهر أو بدايته أو حين يلفظ الجيب أنفاسه الأخيرة .
من منا لم يشاهد ذلك الوقور المستكين لإكراه الواقع  وهو يحمل بصبر خياط أنبوبة غاز رمادية اللون في عز الهجير، و يبحث  بعين مجهريه عن دكان يبيع غاز البيوتان  .
كان الغاز على مر التاريخ المدني لهذا المجتمع أكبر منغص يومي لآلاف الأسر الموريتانية فهو اكبر مؤشر للسلامة الأسرية وضمان  لحياة آمنة.

فى العاصمة تختلف اوزان قناني الغاز من متجر لآخر، ومن شركة لشركة، لكنها تتفق فى الغالب على الخواء الاستعجالي  الصادم لرب الاسرة . ربما حين تتدفق حقول غازنا ذات يوم وبعد عمر طويل، سينخفض سعر الغاز المنزلي ويتحول الى "افطوط " غازي ينعم به الموريتانيون .

الأربعاء، 28 فبراير 2018

تانجانا

تانجانا مصطلح شعبي يُطلق على المطاعم الشعبية التي تُقدم خدماتها أساسا لسائقي التاكسيات وأصحاب المشاوير الماراتونية غير المصنفة .
تعرفت على صاحب "تنجانا" حقيقي؛ من القلائل الذين بإمكانهم أن يبتسموا فى السادسة صباحا فى أوج حر يوليو .
يُطلق على صديقنا إسم حركي " آمادو سليا" نسبة في ما يبدو للحليب المسحوق الشهير، رجل من" الحجم العائلي" يجلس بالقرب من فوهة " فرنه من من المصلحة " محفوفا بالكثير من الخبز و أنواع القهوة ،و على بعد سنتمترات تفوح رائحة شواء مجهولة المصدر ،إذ لا يُسمح للزائر العادي بالتمتع بمشاهدة شرائح اللحم وهي تُشوى على نار هادئة ؛إذ تُعتبر متابعة عملية الشواء امتياز لا يُحظى به الا خاصة الزبناء من فئة الخمسة نجوم.
كان هذا "التانجانا" مُحدثا بارعا تستمتع إليه لدرجة أن قد تُهمل سخونة القهوة التي بين يديك وأنت تسمع لقصصه الممزوجة بشوائب سحرية تُطعم الحبكة وتجعل لها مذاقا خاصا لاُينسى ... قبل أيام زارتني وحشة طارئة بحثت عن صديقي سألت عنه لم أعثر عليه ، لم أجد أي خبر مؤكد عنه ، أكثر الروايات صدقيه تؤكد أنه اختفى قبل أسبوع ، أبتلعته رمال اينشيري ، هجر مطعمه الصغير وقرر أن يُغامر فى رحلة بحث عن الذهب .... مر الكثير من الوقت ولم يعد ، ضاع "أمادو سليا" والى الابد.

أحدب كرفور مدريد

الاستعداد النفسي لرحلة تاكسي بين توجنين ومدريد أمر مرهق ، قبل أحد عشرعاما؛تغير بشكل جذري الشكل المورفولوجي "للداه" بسبب تراكم وضعيات غير صحية جلس بها لمدة طويلة وتحول الى " أحدب مدريد" . لاحقا تحول الى بائع رصيد مائل بشكل لافت لدرجة أنك تتذكر برج "بيزا" حين تصادفه قرب مطعم لبرينس" سابقا .
آلام "الداه" سببت له شيزوفرينيا لفعل ركب ... كرهه عن قصد وإصرار عجيبين ، بل إنه تمادى فى الأمر لدرجة أنه صار يمقت وزارة النقل وكل الموظفين بها ، حتى انه رفض مؤخرا مصافحة بائع طوابع جبائية يعمل قرب إدارة النقل تصادف معه فى مجلس شاي .
والحقيقة أن "الداه" لايمكن أن يتصور كيف تحولت مشاوير الاخرين فى عواصم أخرى الى رحلات استمتاع خيالية ، فهو يرفض بإستمرار تصور تجربة ركوب مترو لندن او دبي ، حتي انه غير المحطة التى كانت تبث تقريرا سياحيا عن باصات عاصمة الضباب الحمراء ذات الطابقين لغرائبيتها المفرطة .
وحين سئل عن سبب رفضه التصويت فى الانتخابات الاخيرة ،أجاب بعد برهة ؛وبصوت من ركب آلاف التاكسيات فى حياته :
ــ لم أصوت بسبب اسكتش دعائي للتعديلات الدستورية كُتبت فى نهايته عبارة "التعديلات الدستورية ستنقل موريتانيا الى عالم أكثر رقي"

جوارب

جوارب الوزير لونها مائل للعنبي ،ربما أحب الوزير هذا اللون لإنعدامه فى بلدته الجبلية ، كانت علامة puma واضحة حتى لرئيس مصلحة الرخويات الجالس على بعد أمتار، والمصاب بدوار منتصف النهار المميز لجهازه العصبي.
كان الوزير واضحا فى كلامه كعلامته الرياضية البارزة ، تحدث عن الانضباط والتفاني وتدليل المواطن ؛ مع أنه فى الحقيقة كان يبحث عن كلمة إسعاد، ثم عرج على قضية الجوارب وكررها كأنه يحاول أن يستخرج منها معنى وجوديا لاتتحمله فهي كلمة بسيطة جدا ...جوارب.
قال الوزير إن الموظف فى سويسرا حسب الدراسات يمتلك 27 زوجا من الجوارب ، والتركي 14 والبوريكنابي ثلاثة ، أما الموريتاني فلا يملك الا زوجا واحدا يتحول مع مرور الزمن الى قدم كلسي يجره مع حذائه ويسبب له "مسامير" قد تُحوله الى كلب غين بشري.
ساد صمت فى القاعة الكبيرة وتذكر كل موظف لوحده عمر جوربه ومدى سُمك طبقة التكلس الحاصل ، عدل الوزير من جلسته وتفحص هاتفه لبرهة قيل أن يسرح به الخيال بعيدا
تذكر كيف كان يُحول جوربه لآلة دفاع ؛ أيام كان رئيس مصلحة مجهري حين كان يُداهمه رجال التدقيق المالي فى الوزارة وعندما يضيقوا عليه الخناق ينزع حذائه بخفة ليتركهم يواجهون رائحة الجورب العجيبة ، يتحول المكتب الى مكب نفايات عالي التركيز فيغادر الوفد مسرعين ، فيملأ هو رئتيه بهذا الهواء وينتعل حذائه المقاوم للنتانة ويغرق بين صفحات جريدة الشعب.
وحين رقي لرتبة مدير قبل سنوات قليلة كان قد حول جربة لآلة تطويع لصغيره ، فكان يضربه بالجورب فيخر ساجدا ؛إذ كان وزنه يُعادل تقريبا وزن كرة حديد .
ومع التقدم الوظيفي طرأ تحسن على مظهره من الاسفل الى الاعلى فبدأ بشراء جوارب زرافية الرقبة كادت تصل " صابونة ركبتو" اتضح لاحقا أنها تعود لراقصات باليه روسيات إشتراها من بائع سنغالي شديد التجول.
أعاد إتصال من مدير ديوان الرئيس الوزير الى الواقع ، عاد من الماضي ورد على الهاتف وأشار للحضور بأن الإجتاع قد أنتهى .

أيام ووجبات


زحام المطعم الجامعي "بروفه" صغيرة لزحام الحياة الذي ينتظرك خارج الأسوار، لذلك أغلب المزاحمين الذين لايُشق لهم غبار فى يوميات المطعم ،ويحفظون جدول الوجبات مثل ما يحفظون قسمات وجوه أساتذتهم نجدهم اليوم فى مواقع محترمة فى الوظيفة العمومية والجيش والمجلس الأعلى للشباب .
كان صديقنا يحفظ عن "ظهر حب" ذلك الجدول الثابت ، فهو يدرك أن الخميس يوم الدجاج المتشح بالسواد الجاثي على طرف الإناء المربع 
ويعلم علم اليقين أن الإثنين يوم السمك الهلامي صاحب الطعم الذي يشبه طعم " التمصكي " أيام معارك الشارع ،ورغم ذلك يُقبل عليه بشهية عداء ويلتهمه فى ثوان قبل أن " يتلثم " على تفاحة لها خصر "ماندريناي "و بودع أقرب صديق، ويذهب الى المسجد ليغفو ، فالسمك لعين ويصرع الرجال ،و من الحزم أن يعتكف بعده المرء.
كان للأربعاء مذاق البطالة هكذا عرف صديقنا الطعم بعد تخرجه ، فوجبته باهتة ومائلة للمجاز ؛إذ تختفى شريحة البيض فى وقت قياسي من معدة الطالب وتُدخله فى حالة لايقينية تجعله يشك فى أنه مر بالمطعم اساسا ، فهي منزوعة التركيز وتفتقد لأهم عنصر فى الحياة :الثقة .

مالذي يميز سائقي القنوات عن باقي السائقين فى المدينة ؟

لا شئ تقريبا ماعدا تكوينهم الصحفي الذي لم يكتمل ، فهم فى الاساس مشاريع صحفيين مع وقف التنفيذ .
صديقي السائق الصحفي يعرف أسماء أحزاب الاغلبية وتواريخ رؤسائها ويعلم عناوين مقارهم، ويهرع بسيارته الصفراء الى أحزاب المعارضة كل ماكان هنالك داع ، ، ويفرق بين النقطة الصحفية والمؤتمر الصحفي ، وبين التقرير والملف ,
يتحدث فى الادب والبيئة وتحديات منطقة الساحل ، كما أنه لايخطئ عنوان وزارة ولا إدارة ، وفوق ذلك يحتفظ فى هاتفه بصور تجمعه مع ثلاثة رؤساء سابقين ودزينة من الوزراء الحاليين والسابقين . ويمتاز بلقب أكثر مدعو ثابت فى القناة لكل احتفالات الايام الوطنية للسفارات فى نواكشوط ، ودائما ما يُبهر المدعوين بدراعة عرش قشيبة لديها خاصية التجدد الذاتي ؛ هذا الواقع هو مادفعه لأن يظل وفيا لعمله باق كشعار القناة ومتجددا كسيل أخبار نواكشوط االتى لاتتوقف الا لتبدأ.

بشمركي حزين ...

تصور أنك محرر صغير فى موقع كبير مثل ... إنفو وباقي المواقع المحيطة به على منصة موريتانيا الآن ، تصور أن مهمتك تتمثل أساسا فى تعكير صفو العالم كل صباح بعناوين من قبيل العنوان فى الصورة ، أو عنوان فى القريب العاجل سيظهرعلى موقع آخر :العثور على زوج نعل الحضرامي بعد أن فر من معركة الحياة حين أصبح سعر المالبورو لايطاق.
الحقيقة أنني سعيد بكوني المحرر الاول لأكثر الاخبار مدعاة للسأم منذ تاريخ الخليقة، فأنا جاهل وعاطل عن العمل ولا يوجد رقيب على ماأقوم به ، فمن الذي سيوقفني بتهمة خدش الذوق العام ونشر السخافة ، لا أحد لذلك سأستمر ...
عنوان فى أحد المواقع الرهيبة 

فى نوفمبر الماضي؛ زار الرئيس مدينتي كنت ضمن فريق إستقبال مكلف بمراعاة أمزجة الصحفيين والاشراف على مسكنهم وتأمين نهر شاي قُدر لهم أن يشربوه دفعة واحدة ، شاهدت لأول مرة شيخا من مشايخ التبشمركي ، كان وقورا ويشبه فى مشيته قبطان "التايتانيك " ولاينهي جمله ، ويكرر بشكل آلي كلمة وخيرت كل 30 ثانية فكرت لوهلة أنه ربما يستعمل تطبيقا ذكيا لتلك العملية المضنية .
خرجت كتيبة البشمركة هائمة فى الشوراع الضيقة بالقرب من مكان الإستقبال ، كان لأحدهم وجه شاحب لاينتمي لباقي جسمه ،وحين تتأمل ملامحه يتحول الى فراشة ويطير فى سماء المدينة الصافية ، كان يبحث عني بإستماتة محارب وحين قبض علي ؛خاطبني بتعال مسرحي " أطلسن " هكذا بدون مقدمات .
سألته عن مؤسسته التى يعمل بها قال إنه رئيس تحرير ومدير ناشر لجريدة ورقية تدعى" آرغين "، صعقني الاسم الدراماتيكي ؛ثم سألته مودعا :هل الجريدة موجهة فى الأصل الى الدلافين؟ حاول أن يبتسم لكنه تذكر أن الوقت وقت دوام رسمي ثم أختفى قرب المدرسة رقم 1.

دردشة مع وزير أنيق

فى العام 97 حضرت مهرجانا سياسيا لزعيم حزب الجبهة الشعبية آنذاك الشبيه ولد الشيخ ماء العينين ؛ كانت الحشود التى حضرت ذلك المهرجان شبابية فى الغالب؛ لقرب ساحة المهرجان من الثانويتين العربية والوطنية ،وكذلك ثانويات حي المدارس ،  )المهرجان كان فى الساحة الواقعة شمال دار الشباب القديمة(
حين تنبه السياسي الشبيه لنوع الحضور فاجأنا بتحد من نوع خاص هل فيكم من تستطيع والدته أن تحلم بأن يصبح رئيسا للبلاد؟
الوزير السابق اشبيه ولد الشيخ ماء العينين

ثم أردف لا أحد... لأن كل الطرق أمامكم مسدودة . الإلتحاق بالجيش محرم على أمثالكم من أبناء البسطاء ، كل القطاعات المهمة محجوزة لأبنائهم ... ردد جمله الواخزة بحركات عصبية وكان يحمل علبة مارلبوور لايت ومسبحة ذات لون ماروني.
قى يوليو قبل الماضي استضفته فى برنامج على قناة الساحل ، سألته قبل أن نبدأ هل تذكر ذلك الكلام ؟ قال لي بحسم: لا، لكنه يشبه " خط الساني" هل عدنك شك فيه ؟
ابتسمت وسألته عن حادثة "غراب" ونوادر كواليس مرافقة الوزراء لولد الطايع فى جولاته الخارجية ، ضحك وقال لي ذات مرة حين كنت فى الحكومة طلب مني الرئيس يقصد معاوية مرافقته لباريس فى زيارة رسمية كانت مقررة بعد أيام ؛ اعتذرت له وتحججت له بمشاغلي التى يعرفها ،وحاولت أن أرشده الى الحل ، فأقترحت عليه وزيرا آخر فرد علي " ذاك مايعرف يعكد اكرافاتو... ماانكد نمشي بيه شولر البرانيين "
بالمناسبة من يرأس الجبهة الشعبية الان ؟وهل هي فى الموالاة أم المعارضة ؟



يوم الابتسامة

نكت اليوم لاتُضحك جيش العاطلين عن العمل، بل تذكرهم بأوجاعهم المتجددة ، تذكرهم بأعمارهم التى تبخرت بين مشاوير تشغيل الشباب ومسابقات الصحة والتعليم ، كيف أحلم بغد أفضل وأنا عاطل معطل كساعة بواب وزارة التشغيل ... العاطلون لايحلمون فهم يواجهون الواقع بصدر محارب ، وينتصرون بهزائمهم الصغيرة ، انتصارات من قبيل فتح حساب أزرق مادامت حسابات البنوك مؤجلة الى وقت آخر . لايحلمون لأن االحلم ترف حياتي ليس بمقدورهم أن ينالوه .
أه .... نسيت هنالك جمل ومصطلحات وحدها هي القادرة عى إضحاك الشباب فحين يسمعوا بتمكين الشباب وإشراك الشباب وتشغيل الشباب تنتابهم نوبات ضحك هيستيرية ، فأكثروا منها يرحكم الله .... يوم الابتسامة باط....

الأمل ....

الأمل فى الحياة يُشبه مساحة الزرقة فى فاتورة صوملك ...ضئيل وهامشي ؛ لكنه موجود ومميز ، نحن بحاجة للأمل لتبديد الصعاب التى تعترينيا فى سعينا اليومي فى دروب الحياة .
إذا خف منسوب الامل لديك سر على طريقه ، توقف عند ناصية الحلم وأشترى منتوجا وطنيا من أول دكان أمل صادفته ، تحدث بأمل مبالغ فيه عن جودة الحياة عندنا، وعن منتوجاتنا الوطنية التى أصبح لها معرضا . تسوق وأبتسم وشاهد برنامجا رياضيا على القناة الرياضية الوطنية.
فكر فى لون الشعر حين تُصادف شاعرا عاطلا عن الأمل يحاول أن يقطع شارع الأمل فى الصباح الباكر متوجها الى ندوة عن تكاثر المشاريع فى قطب التنمية الشمالي، وأدعوا له من قلبك أن يُصادف من يُقله فى رحلة العودة الميمونة الى " أصويله".
كن إيجابيا وكن راضيا " فإن الأمل ذاته موجع حين لا يتبقى سواه" على رأي مريد.

وطن...

سيزور الرئيس غدا أرض الوطن ؛ والوطن مصطلح نطلقه على توجنين ؛ وعند الحدبث عن الوطن نتذكر مفارقات خاصة به تميزه عن باقي أوطان العاصمة الأخرى .
لأنواكشوط نكهة نعناع توجنين ، نكهة تُعتق شايات الصباح ومجالس المساء على كثيب عند الطرف الشمالي للمقاطعة الحالمة ، وله أيضا عزلتها وإفتقارها للبني التحتية، فعلى على عموم المقاطعة لايوجد فرع من بنك واحد، ولاعيادة خاصة واحدة اللهم غرفة صغيرة بحجم علبة كبريت كتب عليها صاحبها عبارة عيادة طبية بخط مائل وبحجم مجهري ، وهي فى الحقيقة ناد صغير لمتقاعدي الوطن .

فى توجنين محل تصوير وحيد أفتتح بداية التسعينات، ويتمتع بشعبية جماهيرية غريبة ؛إذ يصطف أمامه أيام الأعياد مئات الشباب لإلتقاط صور تذكارية ، وحتى يوم الناس هذا ؛ ورغم انتشار الهواتف الذكية مازال الطابور شاهدا على عزلة المقاطعة وغرائبيتها .
يحج الآلاف من سكان توجنين الى "الدشره" يوميا وهي كلمة يُطلقونها على وسط العاصمة ربما ليقينهم أنهم فى بادية ، ويتكبدون مشقة التحرك لندرة وسائل النقل .
لكن كل الاماني اليوم فى المقاطعة تُختصر فى كلمة واحدة الأمن ، فى الانتخابات البلدية الماضية وعد أحد المرشحين للعمودية أنصاره بإنشاء مقبرة للمقاطعة فى حالة نجاحه ، صفقت الجماهير وتحمست لمنافسة الرياض ... سقط المرشح فى الانتخابات وتحققت أمنيته .
هنالك شبح كبير يخيم على الوطن كل مساء يُسمى لادي، هو فى الحقيقة مصدر نكد متحرك وجالب للتعاسة يوزعها بعدالة نادرة ، ربما يأمر الرئيس غدا بترحيلها الى الترحيل ، حينها سيدخل أهل الوطن فى فرح مفتوح .


"ماني عاطيك عنواني" ...

كان شخصا قابلا للطي ... وشديد القدرة على التحول ، اكتشفته صدفة لأطل على معدن الصحفي الحقيقي فى هذه البلاد .
فى منتصف عام 2012 كان يبحث ناشر صحيفة مغمورة ـ تصدر تحت الطلب وتوفر فرصا معتبرة " للطلبة " ـ عن مقر مخادع لصحيفته ، فوجد عمارة تخلفت سهوا عن التطور الطبيعي للعمران فى العاصمة وظلت وفية لذلك الطراز المنقرض من التصاميم ، نوعية الارضية و ألوان خامات خشب الابواب، وحنفية المطبخ العريقة والتى تعتقد للوهلة الاولى أنها ستسيل بالعصير عند فتحها .
جهز مكاتب الصحيفة واحتفظ لنفسه بالمكتب الكبير ووضع لافتة فوق الباب ؛كتب عليها بالخط الديواني المدير الناشر، لكن الخطاط ولدواعي شخصية بحتة وضع نقطة على الرااء الأخيرة. وحين أعترض المدير غيب الخطاط النقطة بقطعة من علكة هوليوود الشهيرة .
كان المدير عجينة بشرية نادرة فهو انتاج مشترك بين الشارع وسينما الوازيز أيام الثمانينات ويتمتع بإطلالة كومبارس وديع قد تتحاشاه الكاميرا لحياد ملامحه ولفرط غياب الكاريزما الفطرية .
عملت معه لعدة أشهر محررا لأخبار الحوادث ،وحين تمت ترقيتي الى رئيس تحرير ابتلعته العاصمة وفسخ عقد الايجار وباع أجهزة الصحيفة ، حدثت كل هذه التغييرات الجذرية فى نصف يوم وغاب المدير .
اكتشفت النهاية التراجيدية فى اليوم الموالي وحين اتصلت عليه وجدت تسجيل لأغنية قديمة ، كانت رائجة أيام مراهقته " ماني عاطيك عنواني ماني عاطيك ..."
بعد شهر على الاختفاء لمحته من بعيد كان يجادل بائع رصيد ويستجديه ان يعطيه "كاس من برادو" ، باغته عند الرشفة الاولى وحييته بتعالي من يريد المشاكل ....

الاثنين، 26 فبراير 2018

" معط "

في الغرفة التي تقع مباشرة خلف الصالون في البيت الطيني قرب ملتقي طرق "الحاكم " ؛ يتمدد رجل ثمانيني على فراش متآكل، لكنه مازال بإمكانه أن يصلح كفراش لمسن .
لا ينام الرجل ـ  ولنسميه على سبيل التعارف " معط " ـ كثيرا لأسباب فسيولوجية بحتة ،  ومع أن حاسة السمع لديه مازالت تعمل بشكل شبه طبيعي لمن هو في سنه ، إلا انه قرر بإرادته المنفردة ،وهو في "كامل هبائه التكويني" أن يُسدل الستار بينه وبين العالم من حوله.
ظهر أول تجسيد عملي لقراره التاريخي حين تخلى عن طقسه الأسبوعي في الذهاب إلى دار المحاربين القدامى قرب السوق الكبير ، حيث العشرات من أقرانه المسنين يكررون نفس القصص بحماس من يروى قصة لأول مرة .

تكرر الغياب عن رفقاء السلاح ؛ وسقط  " معط " من ذاكرة الشلة المثقوبة أصلا بفعل السنين .
وحين هم أولاد العجوز أن يثنوه عن قراره الانسحابي من ميدان الحياة ، صدهم بدموع مكبوتة ،فما كان منهم إلا أن تركوه  يتخبط في حياته الهلامية الجديدة .
تضاءل  حجم "معط " بشكل ملحوظ ، حتى أن أكثر الروايات صدقية في ذلك الحين أكدت أنه شوهد في أحد الأيام وهو يغتسل في طست كبير " زبيدية " ، وانه لم يحتج في عملية التنشيف إلا لخرقة قماش كانت إحدى بناته قد جهزتها "كشرويطة أماعين".
تحول معط بعد أشهر قليلة إلى بقايا محارب لا يرى بالعين المجردة ، ومع مرور الوقت أصبح أحفاده يستخدمون جسده النحيل  ككرة يد غير قابلة للنفخ، والغريب أن "الجد الكرة" كانت تسمع ضحكته العسكرية في أزمنة أمجاده الحربية  بينما الصبية يتقاذفونه  في ممرات البيت الذي بناه في عصور أخري .

وحين أعلن رسميا عن وفاة "معط" في العاصمة ،أرسلت وزارة الدفاع وفدا رسميا لتقديم واجب العزاء ، وفى المساء استقبل أبناء  الرجل لاعبين من الفريق الوطني لكرة اليد جاءوا مطأطئين وكلهم حزن على  رحيل أهم لاعب في تاريخ اللعبة الأقل شعبية في بلد يستعمل أهله أيديهم في كل المجالات بدءا بالتصفيق وصولا لعجين الخبز التقليدي. 

السبت، 24 فبراير 2018

المثقف الذي سرق حذائي ...

يوم الجمعة هو اليوم الذي يفقد فيه أغلب المصلين أحذيتهم فى مساجد نواكشوط ، غريب أمرنا نحن الموريتانيين نسرق من يبت الله و من بيت مال المسلمين ونسرق حتى أحذية بعضنا البعض.
قبل سنتين تقريبا حضرت صلاة جمعة بمسجد عريق يحمل إسم صحبي جليل ، عجلت من سيري للالتحاق بركعة كادت ان تفوتني ، رميت فردتي نعلي بحماس و دخلت فى الصلاة ، كان المسجد بعيدا عن المكان الذي يجب ان "أركن" أحذيتي فيه،إيذانا بنهاية يوم حافل بالخيبات الصغيرة .
 أثناء جلسة السلام شعرت بكائن هلامي من فصيلة ثنائي الأرجل يزحف قرب ظهري ، أحسست بشعور من هو على بعد دقيقتين من أن تسرق أحذيته ،شعور لا يمكن ان يوصف فى تدوينة مستعجلة يجب عليك ان تجرب ذلك الشعور بنفسك ، لم أستطع أن أقطع صلاتي و فضلت ان أسير حافيا فى شوارع حي جل سكانه لا يحب منظر رجل يسير حافي القدمين.
 فرغ المصلون من صلاتهم، وبقي قليل منهم يناجي ربه و يستغفر لذنوبه ، نهضت من مكاني بتأني يشوبه قلق من مواجهة أتربة الشوارع التى هي فى انتظاري ألان .
 بحثت عن دكان بالقرب من المسجد ، اشتريت فردتي حذاء من " الرية " تحمل الرقم 10، استأنفت المسير ، ووجه لي صاحب الدكان عبارات مواساة تعاطفا مع حالتي ، يظهر من شدة سبكها و حرارة صدقها أنه دائما ما يواجه زبناء عرضيين يتزودون "بالرية "حلا لمشكلة سرقة طارئة ألمت بأحذيتهم.

بعد شهرين من الحادثة لمحت حذائي المسروقة فى قدمي راكب تاكسي جاد المظهر ، لا يظهر من شكله أنه صاحب سوابق " نعلية " ، أثرت معه نقاش مواضيع عديدة فأظهرت ردوده مستوى عال من الثقافة و الموسوعية فى الرد على كل أسئلتي ، بدءا بمستقبل القضية الفلسطينية فى ظل تعثر عملية السلام وصولا الى نقاش أمور دنيوية بحتة كتسمين الخراف بحبوب " متري " ، النقاش تطرق أيضا الى عمليات الاختطاف التى تقوم بها منظمة " فارك " فى كولومبيا لعناصر الجيش النظامي هناك
  تحسبا لقرب نهاية النقاش خوفا من الوصول للمحطة الأخيرة قررت الدخول في صلب الموضوع وكان الوقت مناسبا اذ كنا قد بقينا نحن الاثنين فقط .... لا ثالث لنا الا سائق " عصبي " يستمع لخطاب رسمي يبث فى الاذاعة الرسمية عن هجرة الجراد الصحراوي
قلت للرجل ياصديقي: انت مثقف كبير ، لكنك تنتعل حذائي التي سرقت مني و انا أصلي فى ....

قال لى المثقف مقاطعا : مسجد طلحة ابن الزبير ، قلت رضي الله عنه ، و أقسم بالله انه هو من سيعطي الأجرة و افترقنا عند المحطة .

رائحة ....

كل شيئ يتغير هنا إلا رائحة " غداء أهل الدكاكين" نفس الرائحة المعلقة فى السقف ، مزيج عجائبي يُحافظ على توازنه الكيميائي منذ أن " طولل " أول وكاف برم من جلسته الأبدية .
اخترقتني هذه الرائحة اليوم على أنغام اللحن المميز لنشرة إذاعة موريتانيا ، كان الوكاف " الشيف "مُرشحا دائما لجميع مسابقات الجمهورية لاينقصه سوى الترشح لمنصب رئاسة الجمهورية ،و قصاص سقط سهوا فى دوامة التجارة ، حدثني للمرة العشرين عن غياب الشفافية فى مسابقة شرطة الإمارات منتصف التسعينات ، وأصر على إتهام شخصيات أغلبهم يسبح الأن فى سيول التقاعد اللزجة .
بعد مدة ليست بالقصيرة اكتشفنا فى الوقت ذاته وبحاسة الشم أن " الصابرة شاطت" تنهد وقام بكسل عجائزي وغمر المرجل فى طست ماء ، ثم عاد لكرسيه وأمسك الحديث من نفس النقطة وقال " الامتحانت ماايورطو فذي التريبه
"

الأربعاء، 21 فبراير 2018

الرجل لذي أحب الصمت...!!

  1.                                                                                                                 قصة قصيرة      

                       
     
أقرين ولد أمينوه ــ كاتب وصحفي
                                                                                                     
إسمى …إسمى لا يهم كثيرا وإن كنتم مصرون عليه فسأخبركم به,إسمى المهدى وأنا طبيب أسنان فى عيادة خاصة وخريج كلية لطب الأسنان فى كييف أيام الإتحاد السوفيتي.
أتقن عملى بشكل لافت لكن عيبى الوحيد أنى لا أتكلم أبدا أثناء علاجى لمرضاى,ويلقبوننى فيما بينهم بالطبيب "طيب" لكثرة إستخدامى لهذه العبارة عندما يبدأ أحدهم فى شرح ما يعانيه,أقاطعه بحزم "طيب" ,ولأسكته ولأفهمه بالحسنى أنى عرفت مايعانيه,ليتيح لى وقتا للعمل…
لا أعلم على وجه الدقة متى بدأكرهى للثرثرة..فبالعودة إلى طفولتى لا أجد ما  يفسر لى كل هذا الكره أو البغض أحيانا,فهى طفولة عادية شبه سعيدة خالية من كل ما من شأنه أن يكدر صفوها.

نشأت فى إحدى مدن الوسط,حيث كان أبى عضوا محترما فى حزب الشعب إبان الستينيات,كان على قدر كبير من التعليم وأشتغل فى مجال الصحة فى وظيفة غير محددة وشبه غائبة الملامح مكلف بكل
شىء ومعفى من كل شيء فى الوقت ذاته,وظيفة أشبه ماتكون بوظيفة مكلف بمهمة فى إحدى الوزارات فى أيامناهذه,إلا أنه ساعتها كان حضوره فى أيٌٌ مناسبة من مناسبات المدينة ذات الطابع الجنائزى يضفى جوا من الرسمية والأبهة,وكأنه رئيس الجمهورية بجلالة قدره…
أقمت فى تلك المدينة حتى مرحلة الباكلوريا,طبعا تزعزت مكانته بعد إنقلاب 10يوليو1978وقدوم العسكر,لكنه كان قدأصبح شيخا فى خريف العمر وزاهد فى الحياة السياسية ولا يلقى بالا لتقلبات الزمن الذى أصبح نافرا من أهله,قدمت إلى العاصمة لأحضرلمسابقة بكلوريا الشعبة العلمية….
جئت إلى العاصمة منبهرابكل شيء,السيارات بكل أنواعها وخاصة السيارات الصغيرة ذات الألوان الزاهية ساعتها والتى عرفت فيمابعد أنها سيارات الأجرة,تأملتها كثيرًا لصغرحجمها مقارنة برباعيات االدفع التى تركتها فى مدينتنا البعيدة,تصورت أن بإمكانى أن أسبقها..
كان فاتح أكتوبر1987هو أول أيامى فى المدينة,أقمت مع "عمي" وهو رجل من الطرازالمنقرض قصيرالقامة ممتليء الجسم ويتمتع بوسامة باهته بفعل الزمن…ويبدو لى الآن سر ولعه الشديد بالتواريخ راجع إلى تأثير المهنة على معتقداته…,تابعت دراستى بجدية بادية للعيان وبإصراروإلتزام لم أفهم سرهما إلى الآن..,كنت أرسم هدفا واضحا فى ذهنى,أن أنجح بإمتياز وأن أحصل على منحة على حساب الدولة وأدرس الطب فى فرنسا ..وكان لى ما كنت أرسمه فى ذهنى مع فارقين بسيطين ,الإتحاد السوفيتى بدل فرنسا,طب الأسنان بدل الطب العام…
قضيت العطلة الصيفية مع أهلى فى مدينتنا البعيدة وجدت إحتفالات كبيرة فى إنتظارى تكريما لنجاحى وأهدى إليٌٌ ابي بقرة حلوبا يطلق عليها أسما بشريا وكأنها إحدى قريباته"أنويجية",أبديت له الكثير من الفرح والإمتنان مع يقينى بينى وبين نفسى أن آخر هم لى فى هذه الدنيا أن أملك بقرة,وقد كنت أرى البقر على الخصوص حيوانا أبله وعديم الذكاء مقارنة بالحيوانات الأليفة الأخرى…
ودعتهم فى منتصف سبتمبر ودخلت فى معركة طويلة مع الوزارة ومفوضية الشرطة وحاكم المقاطعة والحالة المدنية والمستشفى الوطنى ولائحة طويلة من الأوراق المدنية حتى خيل إليٌ أنى سأتأخر عن دراستى لطول الإجراءات وفساد الإدارة التى لا تولي أهمية للتعامل مع الطلاب…..وأخيرا أنجزت أوراقي.
وطارت طائرتى مساء الخميس29سبتمبر1988 متجهة إلى باريس لأقف 4ساعات فى مطار شارل ديجول ومن ثم أستغل طائرة أخرى لتوصلنى إلى وجهتى الأخيرة,كييف,وكان بإستقبالى كمراعبدووهوزنجى موريتانى طيب المعشر.
عندما خرجت من بوابة المطاررفقة صديقى الجديد كمرا الذى وصل قبلي إلى كييف بعشرة أيام,إكتشفت أن يديٌ اصبحتا متجمدتين بفعل برودة الجو الذى لم يدر بخلدى أنه سيكون على هذه الحالة من السوء..,وإضطررت أخيرا أن أفتح حقيبتى على الرصيف المقابل للمطار لأخرج معطفا دافئاكنت قد إشتريته من انواكشوط فى اللحظات الأخيرة قبل سفرى حيث نبهنى عمى على أن هذه الأرض باردة جدا,بل إنه وصفها لى وصفا تربويا أنها أشبه ب"ثلاجة كبيرة",قلت فى نفسى وما أدراك أنت الذى لم تزر إلا أكرا عاصمة غانا ذات المناخ الجهنمى…
أنجزت إجراءات التسجيل فى اليومين التاليين وبدأت أدرس اللغة العجيبة التى ستكون لغتى خلال السنوات الأربع….,والتى كانت فى إعتقادى لغة ثورية لايستطيع أحد أن يتعلمها على أصولها قبل أن يغضب أولا لكى تبدو مخارج الحروف سليمة…,حياة كانت خالية من اللهو تماما بإستثناء مسامرات نادرة مع تجمع بيني وبين طلاب من دويلات الإتحاد السوفيتي المسلمة والذين يعتبرون وجود عربيٌ وجهالوجه معجزة لكى يعلمهم قراءة الفاتحة وسورتين معها ويحدثم عن مكة ويوم الحشر…..
أبديت لهم موافقة مبدئية لسهولة مطلبهم وقد إعتبرونى صديقاوشيخا قبل أى شيءآخرفى سرهم.
كان نظام وزارة التعليم   آنذاك أن تعطى للطالب تذكرة سفر عاما وتحجبهاالعام الموالى ولهذابقيت عامى الأول فى كييف أكتشف معالمها,وقرأت عنها القليل مستمتعا بعودة خجولة للشمس ,تظهرلمدة ساعة ثم تختفى خلف السحب الزرقاء…
تأخرت منحتى بفعل بعدنا عن موسكووأخيرا قرر كمراأن يذهب إلى العاصمة ليذٌكر المحاسب أن هناك طالبين ينتظران منحتيهما وقد عاد مظفرا….
أنهيت العامين الأولين بتفوق …رغم صعوبة اللغة وعدت إلى أهلى فى العام الموالى وكان والدى قد بدأ يتخبط فى هلام الشيخوخة اللامرئي…,فيسأل أسئلة لا تخطر ببال أحد..تارة عن كبولانى وأخرى عن هياكل تهذيب الجماهير…وأصبحت أخاف على أمى أن يسحرها بعالمه الخاص.
رجعت إلى كييف قبل موعد الدراسة وإستقبلنى كمرا بالأحضان كدب الكوالا المولع بالعناق…وبدأالعام الجديد وكنت أتمنى فى سري  أن أنهى العامين المتبقين فى شهرين وأن أزاول مهنى…,بدأت أولى بوادرمشكلتى مع الكلام فى منتصف العام الثالث,فقدكنت أفضل البقاء فى غرفتى فى الطابق الثالث من المبنى المخصص للطلاب الاجانب على أن أثرثررمع الطلاب الآخرين الذين أراهم غير آبهين بالوقت…,يطلقون كلماتهم كرصاصات بلا هدف معين…,أدركت إختلافى عنهم على الأقل وأرجعت هذا الإختلاف إلى ثقافتنا المختلفة والمتناقضة أحيانا…ومن سوء طالعى أن الشخص الوحيد الذى يقاسمنى الإنتماء وهوبطبيعته ثرثارمن الطرازالأول ويسخر أحيانا من صمتى وكرهى للكلام ويؤكد دائما على مبدأ فلسفته فى التواصل وأن الحديث هوجوهر هذا التواصل.
تخرجت فى صيف عام1992وكان عاما متميزٌافى كييف,ففى هذا العام كان الإتحاد السوفيتى قد لفظ أنفاسه منذ عام تقريبا وتحولت الجمهوريات التى كانت تكون الإتحاد السوفيتى إلى دويلات مستقلة تحكم نفسها بنفسها أو يخيل إليها.
بالنسبة لى الآن المتخرج حديثا كانت البلاد بدأت تنهج المسار الديمقراطى والأحزاب تتكون وكل شيء يتحرك على إيقاع السياسة.
كل هذا لايهم,المهم أنى بدأت العمل بعد إستراحة محارب قصيرة حيث أمضيت عند أهلى أسبوعين توفي خلالهما والدى إثر مرض مفاجيء ألٌٌم به ولم يشخص بعد…و
عدت إلى العاصمة وبدأت العمل فى مستشفى السبخة وهى مقاطعة فى الجنوب الغربى من  أنواكشوط أكثرية سكانها يعانون إلتهابات فى اللثة لم أعرف لها سببا…ومما زاد من حنقى أن أغلبية المرضى الذين يفدون إلى المستشفى للإستشارة لا يطبقون أفواههم أبدا,يتجمعون فى الممرات الضيقة بدراريعهم الرمادية ويبدأون فى محادثات ماروتونية لا تنتهى أبدا,فتتحمس النسوة القلائل ويدخلن معهم فى حوارات إحتفالية إلى أن أكاد أفقد توازنى ثم يخف الوضع قليلا وهكذا…
بعد عام بدأ مستواي المادى يتحسن كثيرا وأصبح ينظر إليٌ كمشروع يمكن الإستثمار فيه بالزواج.
تعرفت إلى هدى التى بدت لى منذ الوهلة الأولى بمثابة هدية من السماء,صاحبة عينين نجلاوين وفم جميل يزداد إغراء عندما يبتسم عن أسنان بيضاء نلاحظها نحن اطباء الأسنان بعيون طبيب قبل أى شيء آخر…لكن مالم أضعه فى الحسبان أبدًاأن يكون هذا الملاك الجميل والوديع لدرجة الشفقة قد تخصص فى القانون الخاص وبالتحديد قانون الأعمال وهى محامية متدربة لدى المحامى الشهيرعبد القادر ولد سيدن صاحب القضايا المثيرة,إذن فهى ثرثارة لا يشق لها غبار لأن مهنتها تحتاج إلى الثرثرة قبل أى شيء آخر…,تغاضيت عن موضوع المهنة راجيا أن ينسيها أول حمل مفاتن قاعات المحاكم وثياب المحامين التى طالما تراءت لى وكأنها قد أعدت للغربان لتتزين بها فى الأعياد,
بعد أيام قليلة على زواجنا أصبحت كثيرة السهر صحبة كتب سميكة الأحجام وهى تشبه دليل الطبيب الذى يضعه الأطباء على مكاتبهم للتباهى أكثر من أى شيء آخر,والذى تبدو أسطره وكأنها كتبت بتلك الطريقة لكى لا تقرأ…
وعندما أسألها عن سر هذه السهرة الرومانسية تجيبنى دون أن ترفع نظرها عن الأوراق"أعد مذكرة دفاع مهمة عن شركة الكهرباء فى نزاعها مع التجار…
أعود إلى سريرى ساخطا على كل شيء وكارها لكل شيء حتى نفسى,وأنام بفعل الغم قبل النعاس…,بعدشهرين أصبحت كثيرة التعليقات وتقيس كل شيء بالمنطق والعقل حتى أنها خاطبت الخادمة التى تعمل عندنا فى البيت بعد أن كسرت المسكينة كأسا وقع منها سهوًا,
ـ هل تعلمين أن هناك شيء فى القانون يسمى المسؤولية التقصيرية ومن خلالها يمكن أن اطالبك أن تعوضى عن هذا الضرر الذى ألحقته بالكأس…!
قلت لها وقد إستشطت غضبا"عن أى مسؤولية تتحدثين,إن هذه المسكينة لا تقرأ ولا تكتب ولا تعلم أن هناك علما يسمى القانون ولا مهنة تسمى المحاماة وأنت تنظرٌٌين عن المسؤولية التقصيرية,وخرجت وصفعت الباب خلفى….
بعدها بيومين سألتنى إن كنت مازلت غاضبا عليها,قلت لها بطريقة ساخرة بأنى لا أستطيع أن أغضب أكثر من يوم لشدة حبى لها.
بعد ذلك بايام مازحتنى قائلة:
"بعد سنوات سيختفى طب الأسنان لأن الناس سيبلغون من الوعى ما يجعلهم يهتمون بأسنانهم وبالتالى لن يلجئوا إلى خدماتكم ….!
أجبتها بنفس الطريقة"وكذلك سيبلغون نفس الوعى القانونى ويتجنبوا إرتكاب الأخطاء…,ويبقى المحامون يثرثرون بينهم فى قاعات المحاكم….!
أحست بأن الرد كان أقسى من المتوقع وإنصرفت…,كنت قد حسمت أمرها مسبقا قبل ذلك الحوار السخيف…,جلست معها وقلت بالطريقة نفسها التى أُبلغ بها أحد مرضاي بأنى قد قررت نزع جميع أضراسه حفاظا على بقية الأسنان من التسوس…أنت طالق.
فتتحت عيادتى الخاصة….
وتزوجت بعدها بإسبوعين مع الخادمة "آمى" وسط دهشة الجميع بمافيهم صديقى كمرا الذى كان قد تحمس لفكرة زيارته فى عيادته النفسية وجرت مراسم الزواج دون ثرثرة تذكر….!


الثلاثاء، 20 فبراير 2018

ثنائيات

فى كل خميس تُطل علينا الحكومة فى نشرة أخبار متراصة سعيدة وودودة؛ وكأنهم جيران مألوفي الوجوه، فى وقت لاحق من النشرة تظهر صور ثنائية كل وزيرين على حدة .
الاقتصاد يخنق الشؤون الاجتماعية على مرأى من الرئيس إذ تتسبب الأزمات الاقتصادية والمالية فى تفشي ظاهرة الطلاق التى وصلت مستويات مخيفة تُقلق الاجتماعيينن، و الصحة تندب حظها العاثر للرياضة والشباب وتسأله هل فات الوقت على ممارسة حياة نشطة والشؤون الإسلامية تعظ السياحة وتُذكرها بالمصير المحتوم 

يجلس العدل قرب الإسكان كل منهما يرمق الآخر بنظرة ترقب، فلا الاسكان راض عن عدالة الاستصلاح الترابي ، و لا العدالة عابئة برأي الإسكان المثير للسأم، لذلك آثرت العدالة أن تتظاهر بالانشغال فى هاتفها العتيق .
كان الصيد صديقا للبيئة يجلس بقربها يربت على كتفها ويغني فى أذنها نشيدها المفضل "نراه فى الصباح" لكن منذ قدوم "هونغ دونغ " ساءت العلاقة بينها لدرجة التفكير الجدي فى الانفصال، لكن الانفصال كلمة تثير الداخلية وتجعلها تتحسس قلبها، والداخلية إن كانت عاطفية فذلك يخيف الخارجية ويجعلها تكرر مع الثقافة: اجتمع مجلس الوزراء يوم الخميس 12 أكتوبر 2017 تحت رئاسة صاحب الفخامة السيد محمد ولد عبد العزيز، رئيس الجمهورية. وقد درس المجلس وصادق على مشاريع القوانين التالية:

شعور

هل جربت شعور شراء دواء من احدى صيدليات نواكشوط ؟ هل فكرت مثلي بدلا من ذلك بالتوجه الى احدى محلات   الخردوات وشراء كيلوغرام "بلاتر...